ضياء الدين رجب

ضياء الدين رجب

لمحة عن تاريخ ضياء الدين رجب

ولادته ونشأته:

ولد الأديب والقاضي ضياء الدين حمزة رجب، بالمدينة المنورة عام 1335، وهو أحد رواد الأدب والقضاء والشعر النثري، وفي بداية حياته أدخل الكتّاب، وحفظ القرآن الكريم، والتحق بالمدرسة فدرس في علوم القواعد والفقه والتوحيد، وكان مجتهدا في الحساب والتاريخ والجغرافيا، كما تلقى العلم على علماء المسجد النبوي الشريف ومن أبرزهم، الشيخ أبو بكر التمبكتي، والشيخ عبد الكريم كردي، والشيخ الطيب الأنصاري، والشيخ العايش وهو من علماء الأزهر المجاورين بالمدينة. وهو رحمه الله كما وصفه معاصروه «مستدير الوجه واسع العينين، حنطي اللون معتدل القامة، خفيف اللحية حليق الشارب والعارضين، ويتخذ رحمه الله زي العلماء السلفيين فيرتدي العباءة والغترة، ولا يضع على رأسه عقالا وقد تمسك بهذا الزي طيلة حياته».

حياته العملية:

اتسمت قصائده بالفصاحة والشعر العربي الأصيل والقصيد الطويل وجزالة اللفظ
بعد أن أتم الشيخ رجب دراسته، اشتغل بالتدريس بمدارس المدينة المنورة، ويذكر المؤرخ محمد مغربي أنه عمل في تحرير جريدة المدينة، أول ظهورها فكان ينشر إنتاجه الأدبي فيها، ثم انتقل عام 1357 إلى مدينة العلا (شمال المدينة المنورة) حيث عيّن قاضيا هناك، ثم عاد إلى المدينة ليزاول مهنة المحاماة، ولكن العمل بالمحاماة في المدينة لم يكن يرتقي لتطلعاته، فانتقل إلى مكة المكرمة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وعمل بها فترة من الزمن، ثم عيّن رئيسا لكتّاب مديرية الأوقاف العامة بمكة المكرمة، ثم مستشارا قضائيا لأمانة العاصمة، ثم عضوا بمجلس الشورى في أوائل عهد الملك سعود -رحمه الله- ، واستمر في عمله بالمجلس إلى أن انتقل بأسرته إلى سوريا، ثم إلى مصر، وأحاله المجلس إلى التقاعد نظرا لتكرار انقطاعه عن جلساته لفترات طويلة، وبقي في مصر إلى أن حصل ابنه حمزة على البكالوريوس من جامعة القاهرة، ثم عاد بأسرته إلى جده، وافتتح مكتبا للمحاماة نجح فيه نجاحا باهرا، كما نال من السمعة الطيبة الكثير وأحبه الناس، واستطاع بما وهبه الله من سماحة النفس والهدوء أن يجمع الناس من حوله، وكانت داره مضيافا يزدحم بها القريب والبعيد، وكذلك يرحب بهم في مكتبه، ويستقبلهم بالود والابتسامة التي لا تفارق محياه، ولديه القدرة على الاستماع للناس، ومشاركتهم في حل مشاكلهم وقضاياهم، من خلال التوسط لدى المسؤولين في الإدارات المختلفة، أو لدى القادرين من الناس، وبالرغم من عمله بالمحاماة إلا أن الجانب الإنساني كان طاغيا في تعامله مع مختلف القضايا، دون النظر للجانب المادي مما زاد حب الناس له.

الشعر والأدب

كان ضياء الدين حمزة رحمه الله شاعرا كبيرا، ومن أبرز شعراء المملكة، وكان ينشر إنتاجه الأدبي في جريدة المدينة، وهو أحد كتابها المعروفين، وكذلك ينشر بين الفينة والأخرى في جريدة صوت الحجاز، والمنهل، وكتب للإذاعة السعودية فكانت له أحاديث يومية في الإذاعة، وكتب في صحيفة البلاد وكان له عمود يومي بعنوان « قطوف»، ويعلّق الأديب فاروق صالح باسلامة على هذه الزاوية الصحفية اليومية، ويقول «..أما ركنه الصحفي « قطوف « فقد طرح من خلاله المعلومات الأدبية والمعارف العلمية مع التعليق عليها بطرح سهل وحاشية صغيرة وهوامش سريعة، ليعطي القارئ نموذجاً من الآراء والأفكار يكون ذا عوز لها وحاجة، ولذلك يحتفظ كثير من القراء بهذا الركن الصحفي لضياء الدين رجب في قصاصات كي لا تضيع المعلومة أو الفكرة أو الرأي أو مناسبة ذلك عبر التاريخ الأدبي والعملي للموضوعات القصيرة التي تناولها هذا الكاتب في ركنه» .
كما كانت المجلات المعاصرة آن ذاك تنشر له كمجلة «قافلة الزيت» و«المنهل»، فنشر رحمه الله الشعر والنثر والكتابة اليومية في الصحف، وكان يشد قراءه لما يكتبه ، حيث كان يتبع الأسلوب العربي الأصيل والعاطفة الدفاقة وانتهاج نمط فريد في الشعر، كما كان الشيخ ضياء الدين رحمه الله، على صلة واسعة بشعراء عصره وأدبائه، وحينما كان بالشام توثقت صلته بشعراء سوريا الكبار أمثال شفيق جبري وسليمان الأحمد ونصوح باببل صاحب جريدة الأيام الشهيرة وغيرهم، كما كانت له ارتباطات في أدباء وشعراء مصر، كالشاعر أحمد رامي والشاعر محمد مصطفى حمام والشاعر محمد جبر، وغيرهم، وكانت له صلة كبيرة بالأمير عبد الكريم الخطابي قائد ثورة المغرب الشهيرة ضد إسبانيا وفرنسا وحينما توفي رثاه بقصيدة عصماء نشرت في مجلة «قافلة الزيت». أما علاقاته بشعراء وأدباء عصره فأخذت طابع الصداقة والود وتبادل الاحترام، وكان حريصا على ذكر المحاسن دونما النظر إلى مساوئ الناس.

زحمة العمر

وقد جمع الأديب ضياء الدين حمزة رجب رحمه الله إنتاجه الشعري في مجموعات كبيرة مجلّدة ومنسوخة بالآلة الكاتبة، وكثير من هذه القصائد لم تنشر في حياته، وهي تمثل الجزء الأكبر من شعره وقد أطلق عليها اسم (زحمة العمر) وضمها في مجلد واحد حوى معظم نصوصه الشعرية، وقسمها الشاعر إلى مجموعات (الشعر الروحي - الشعر الوطني - الشعر الاجتماعي - الشعر العاطفي) ثم أطلق في مجلد صغير بما استجدلديه من شعر أسماه ( سبحات )، وقد اتفقت أسرته مع نادي جدة الأدبي على نشر هذه القصائد متفرقة، خدمة للأدب السعودي، كما عكف الأديب والمؤلف هاشم دفتردار المدني على إعداد ديوان الشاعر ضياء الدين حمزة رجب رحمه الله وأصدره للعيان.

من ديوانه:

قال في قصيدة أسماها «عرفات»
الأغاريد في السماء نداء
والرحاب الخضراء والأضواء
والحشود التي أطلت مع الفجر
على الموقف العظيم دعاء
والثراء العريض والجاه والملك
حطام على الثرى مشاء
أما في الشعر الوطني فقد حرص على التعبير عن ولائه لدينه وعروبته، ويقول في إحدى قصائده التي أسماها (وحدة القلوب):
أرأيت كيف طوالع الآمال
موصولة الإقبال بالإقبال
ترنح البسمات فوق ثغورها
سكرى وأنت حيالها وحيالي
وقصيدة أخرى بعنوان يا مصر:
يا مصر أنت هوى قد صيغ من ضرب
الشمس تنهل منه والضحى برد
والظل يسحب فوق الظل أجنحة
كالروح يمرح في أنفاسها الحسد
ومن قصيدته في بغداد نختار هذه الأبيات:
نهر الحوادث مطلب ومراد
فتجملي وتحملي بغداد
هذي المآسي الداميات وشائج
زحفت إليك بسرهن الضاد
يتلمسونك في القلوب سريرة
وكرى عن الجفن القريح يذاد
وهوى يزمجر بالفحيح سعاره
فتذوب من لمساتها الأكباد
وله قصيدة في ربوع المدينة جاء في بعض أبياتها:
بين سلع رقبا
من مجالي يثرب
قد مشينا الهيدبي
سبسبا في سبسب
بين أحضان العقيق
من شروق لغروب
كم روينا من رحيق
بين كأس وحبيب
أما قصيدة (خلود البطل) فقد أهداها إلى الأمير عبد الكريم الخطابي ومنها:
تنهل في الدنيا سواكب فيضه
وتهل بالرحمى سحائب رفده
وخلائق المجد الأصيل شمائل
شتصل الحياة بحظه وسعده
وتشع إشعاع الهدى في موطن
غذاه من دمه الزكي بشهده
وله في الرثاء حيث توفي ابنه حمزة ضياء الدين رجب في حادث سيارة وترك بعده زوجة وطفلتين هما حنين وأهداب، وقد كان لهذا الحادث صداه العجيب في نفس الشاعر، إلا أنه قابل الظرف بروح المؤمن، ولقد احتفى بحفيدتيه اللتين خلفهما ابنه فيقول:

لا تسلني عن الحنين
ففي الأهداب أضحى كما تراه وأسمى
فهما الحب نشوة وهما
الصفو والروح قلبا وفما
وقال أيضا:
هما عزائي في أعقاب داهية
لم تبق غير انكساري بين أحنائي
ويهيج الحنين بالشاعر لابنه فيرثيه يقوله:
أين تلك الخطوات
أين تلك الخطوات
أين تلك البسمات
والعيون الضاحكات
يا حبيب القلب
يا حمزة والخلد حياة
أنت في العين وفي
القلب دعاء وصلاة
وتجدر الإشارة هنا أن الشاعر ضياء الدين حمزة رجب رحمه الله، كان متمسكا بالشعر العمودي المنظوم ولم يكن يستسيغ الشعر المنثور، وكان رحمه الله ينشر شعره باسم مستعار وهو (فتى سلع) وكان يتبع هذه الطريقة منذ بداية نشره للقصائد الشعرية في الخمسينيات إلى أن توفاه الله.

مؤلفاته الأخرى
وله مؤلف بعنوان (وقفة في ديار ثمود) ألفه حينما كان قاضيا بالعلا، وحول هذا المؤلّف يذكر الأديب فاروق صالح باسلامة أن الشيخ رجب قد زار مدائن صالح ووقف على آثارها المعروفة أثناء توليه القضاء في مدينة العلا المجاورة، فكتب مخطوطاً عن هذه الآثار التراثية القديمة أسماه «وقفة في ديار ثمود» طرح رؤيته للمدائن وديار صالح التي اختلف حولها المؤرخون، ورجال الآثار أهي في جنوب الجزيرة العربية أم هي واقعة في شمال غربي هذه الجزيرة، ويضيف باسلامة أن وقفة الأستاذ رجب في ديار ثمود لابد أن تكون وقفة علمية في الرؤية أثراً وتاريخاً، موقعاً وآثاراً، أوديةً ودياراً وأودية وجبالاً أيضاً، وتابع باسلامة: « ولا ريب أنه اطلع على تاريخ المدينة النبوية ذات الآثار من المساجد وجبل أحد والأودية والحرات وبقيع الغرقد، هذه الأماكن والآثار وقف عليها ضياء الدين رجب وعرفها موقعاً وأثراً وتاريخاً وشعراً وسيرة، وهو ما دفعه إلى البحث والكتابة في ديار ثمود أو مدائن صالح عليه السلام، وللأديب رجب رحمه « مذكرات قاضي» يجكي فيها عن تجربته الخاصة وتفاصيل مسيرة حياته العملية والعلمية ويرصد فيها الشكاوي والحوادث والجنايات، وله أيضا «نصف قرن يتكلم» نشر من خلاله أفكاره وانطباعه حول النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، ونصف القرن العشرين الأول، والأحداث الثقافية والتاريخية (تتمة الأعلام للزركلي )، وللأديب رحمه الله إصدارات وأعمدة صحفية ومقالات في العديد من الصحف والمجلات المحلية.

وفاته
أدركته الوفاة رحمه الله في الرياض في 14 من صفر 1396 وكان بدار ابنته «لميس» وكان لوفاته صدى واسع ورنة حزن عظيمة في جميع الأوساط، وقد نقل بطائرة تابعة لوزارة الدفاع إلى جدة حيث جهز ونقل إلى مكة المكرمة وصلي على جثمانه في المسجد الحرام ودفن بمقبرة المعلاة.


بقلم  الأستاذ : منصور العساف
الجمعة ١٤ ذو الحجة ١٤٣٧ه
جريدة الرياض